الســلام عليكم ورحمة الله وبركاتــه
مقـال رائع لما يحمل بين سطـوره من صـدق ورقـي ومن أجمل المقالات التي قرأتهـا ويتحدث عن صفة ساميـة حث عليها ديننا الإسلامـي ألا وهي ( التسامـح ) وهو لــ صخـرة الخـلاص وعنوانــه :
مبدأ التسامح ... في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية
قيل: ( من ثمارهم تعرفهم، هل تجني من الشوك عنباً ، أم من العوسج تيناً ) ؟!
إن الشجرة الطيبة تطرح ثماراً طيبة ، والشجرة الخبيثة تطرح ثماراً خبيثة ، ولكنك أيها القراء الفطن لأي شجرة تقصد ، وتحت أيهما تستظل ، وأي الثمار تأكل ؟
لا شك أن مبدأ التسامح عظيم، لأننا كلنا أهل خطأ، ونحتاج كثيراً إلى من يصفح عنًا ويحلم علينا، ليصنع لنا بذلك معروفاً ندين له به أبداً، والحقيقة أنني متى ما رأيت أن خصمي يراني خبيثاً وشريراً وكافراً أو رجعيّ ظلامي مستبد ، فإني وتلقائياً استبد برأيي واستبدل ريشة القلم بسيف بتار أضرب به عنق الآخر ، ومتى ما رأيت كلمات التسامح والصفح والمحبة من الآخر كلما أحسست بعظمة الإحسان الذي تملكني، هذا هو لسان كل إنسان.
كلنا نخطئ ، كلنا نذنب ، كلنا يحتاج إلى مغفرة ، وكم قسونا وكما تجاوزنا الحدود ، والذي يبقى في النهاية بكل تأكيد هو التسامح.
والحقيقة أن التسامح متى ما كان أقوالاً لا تدعمها السلوكيات، ومواعظ وكلمات لا تبرهن عليها الأفعال، كان التسامح ضرباً من ضروب التدجيل والزيف لترويج البضائع اللفظية، إنه من السهل - يا سادتي - أن ننمق الكلمات والعبارات ونرصف بها شوارع الأوراق، ونزيف بها رسومات فنية جميلة، لكنها في النهاية تبقى حبيسة الإطار، ومسجونة في حدود الألفاظ الزائفة، إن القانون الحقيقي لكلمة التسامح هي : الثمرة السلوكية العملية في الحياة، نعم .. من ثمارهم تعرفهم، هل تجني من الشوك عنباً ، أم من العوسج تيناً، ما أسهل التبشير باسم التسامح والعدل، لكن الثمار الشوكية العملية تفضح وتعري وتكشف هذا التبشير المزوق المزور!
لقد قال الفيلسوف ( فوليتر ) يوماً :
( ما هو التسامح ؟ إنه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية ، إننا جميعاً من نتاج الضعف ، كلنا هشّون وميالون للخطأ ، ولذا دعونا نسامح بعضنا البعض ونتسامح مع جنون بعضنا البعض بشكل متبادل).
يالها من كلمات جميلة، أنا سأقولها، وستقولها أنت ، وستقولينها أنت بالطبع ، كلنا سنقولها بإعجاب وبترنم عذب، لكن الثمار ستكشفنا جميعاً وتعرينا وترهقنا كثيراً، لأننا وقّعنا على ورقة شيك بها مبلغ عظيم لا نستطيع سداده ، إنه التسامح !
لقد تعلم الناس يوماً ما من زعيم العقلانية الأوروبية، والأب الروحي للفلسفة الحديثة "رينيه ديكارت" الأخلاق والتسامح والفلسفة، كم كان رائعاً في أحلامه، في فلسفته، في تأملاته، لكننا صدمنا من ثماره الكاشفة والمعرية للكلمات الزائفة.
أعلم أن قضية التسامح معضلة وليست بالهينة ولذلك لا نستغرب أن استعصت على كبار الفلاسفة من زمن إيرازموس إلى زمن جون لوك إلى ستيورات ميل !
يالها من فلسفة رائعة فاضحة كاشفة معرية تلك الفلسفة المعروفة بفلسفة ( الثمار) .
بعد هذه المقدمة التي أردت منها تثبيت حقيقة مهمة وهي : أن حقيقة ومصداقية القيم والأخلاق والتعاليم تعرف بمدى تمسك وسلوك أصحابها بها ، ولذا جاء مقالي هذا بعنوان ( التسامح مع الآخر ... في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية ) فالتسامح أمر عظيم ولمعرفة عظمته نريد أن نتعرف على مكانته في حياة وسلوك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
لست بحاجة للتعريف بشخص ابن تيمية والعصر الذي عاش فيه رحمه الله، وما تعرض له من عداء وهجوم وسجن وتعذيب واعتداء، وكيف كان رحمه الله يقابل ذلك بتسامح وعفو وصفح .
لقد كان شيخ الإسلام يدرك أن الاختلاف أمر طبيعي بل حتمي في هذه الكون، وهذه سنة إلهية ، حيث بيّن الله سبحانه وتعالي أن الناس في اختلاف ، وأنهم لا يزالون كذلك ، وأن الخلاف لا يعرف أحقيته أو بطلانه من كثرة الأعداد أو قلتها ، وأن الحق لا يرتبط بالأشخاص ولا بالدول ولا بالمؤسسات ، والحق أصيل وقديم ، وهو الغالب ، بالكلمة والحجة والبرهان ، وأن الحق لا يحتاج إلى أشخاص يجيدون الشتائم والسباب ، وأن الحق لا يريد إقصاء الآخر ، ولا إلغاء شخصه، ولا الانتقام منه ، بل الحوار معه ، في جو يكفل المساواة في الفرص والإمكانات ، وكما أن الحق ظاهر فإنه لا يزال في صراع ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
ولولا قيمة هذا الصراع لما أوجده الله ، فالله سبحانه وتعالى لا يوجد - إطلاقا - شرا محضا ، ولا يوجد في مخلوقات الله شرور معدومة الخيريّة بوجه من الوجوه ، بل لا توجد مصيبة ولا شر، كموت الأنبياء ، والصالحون ، أو انتكاسة من انتكس ، أو زوال مظهر من مظاهر الخير ، إلا وفيه خير ظاهر أو باطن علمه من علمه وجهله من جهله ، فلله الحكمة البالغة كما له الحجة البالغة ، ولو شاء لهدى الناس جميعا ، ولكن الحياة أرض بلاء ومحك اختبار ، ودار عمل ، فمن شاء فليقدم لنفسه من الأعمال والأقوال ما ستنفعه يوم القصاص الأكبر .
لكن العجيب من مواقف التسامح أن تكون في موقف القوة والغلبة، وأن يكون لك الحق، فإذا تسامحت مع من ظلمك وهو تحت سطوتك، كنت حقاً متسامحاً كريم الخلق والنفس.
ولبيان منهج ابن تيمية في التسامح .. نقول :
(1) قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية العامة في التسامح .
وضع ابن تيمية قاعدة للتسامح في حياته السلوكية والعملية ، هذه القاعدة هي مقولته المشهورة : " أحللت كل مسلم عن إيذائه لي"
لقد كان لسان حال شيخ الإسلام مع أعدائه : من ضاق صدره عن مودتي، وقصرت يده عن معونتي كان الله في عونه وتولى جميع شؤونه، وإن كل من عاداني وبالغ في إيذائي لا كدر الله صفو أوقاته ولا أراه مكروهاً في حياته، وإن كل من فرش الأشواك في طريقي، وضيق عليّ السبل، ذلل الله له كل طريق وحالفه النجاح والتوفيق.
(2) التطبيق العملي لقاعدة التسامح التيمية .
ولأن ابن تيمية رجل يقول الخير ويفعله، ويؤسس التسامح ويمارسه، لذلك وجدنا حياته كلها صورة صادقة وتعبير دقيق لهذا القاعدة، إنها فلسفة الثمار التي يؤمن بها .
رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وأسكنه فسيح جناته وجمعنا به في مستقر رحمته…
لإستكمال قراءة المقال الرجـــاء الضغط على هذا الرابط
عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
ولا ننسى قوله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) الأعراف:991 كذلك قوله تعالى (ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنهُ وَلِي حَمِيم) فصلت: من الآية43 وقوله تعالى ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنهُ لا يُحِب الظالِمِينَ)الشورى: من الآية 4 من جميع الآيات القرآنية السابقة يتضح منزلة التسامح في ديننا الإسلامي وجزاءه عند الله سبحانه وتعالى أسأل الله أن يجعلنا ممن يتبعون الخيـــــر ويطبقــــــــــــونه ..
دمتم بكل الخيـــــــر